فخر الدين الرازي
176
المطالب العالية من العلم الإلهي
والخشب والحجر واللبن . حكوما عليه [ بالجنون « 1 » ] وفي أمثلة هذا الباب : كثرة . وكلها [ تدل « 2 » ] على أن صريح العقل شاهد « 3 » بأن الشيء لا يحدث إلا من مادة سابقة . الثاني : إنا إذا رأينا صحراء خالية عن جميع وجوه العمارات ، ثم رأينا أنه [ حدث « 4 » ] فيها قصرا مشيدا ، وبناء رفيعا ، وأنهارا جارية ، وبساتين عامرة . فههنا يقضي العقل بأشياء : أحدهما : أن يقال : من الذي بناه ؟ ومن الذي تولى هذه العمارات ؟ وهذا يدل على أن صريح العقل ، حاكم بأنه لا بد للبناء من الباني . وثانيها : [ ويقال « 5 » ] من أي موضع أجريت هذه الأنهار ؟ ومن أي مكان نقلت هذه الأحجار والخشب والآلات التي منها بنيت هذه العمارات ؟ ولو أن قائلا قال : إنها إنما تكونت [ بنفسها « 6 » ] ابتداء من غير تقدم حصول هذه الأجسام ، لقضوا عليه بالجنون . وذلك يدل على أن صريح العقل ، حاكم بافتقاره الحادث إلى مادة سابقة عليه . وثالثها : أن يقال : متى حدث هذا البناء ؟ وفي أي وقت حصل ؟ ولو أن قائلا قال : إنه حدث لا في وقت ، ولا في زمان ، لقضوا عليه بالجنون . وذلك يدل على أن صريح العقل ، حاكم بأنه لا يتقرر الحدوث إلا في وقت وزمان . إذا عرفت هذا فنقول : حكم صريح العقل إما أن يكون مقبولا أو لا يكون . فإن كان مقبولا ، وجب كونه مقبولا في الكل . فكما وجب الحكم بافتقار الحادث إلى الفاعل ، وجب الحكم بافتقاره إلى المادة والمدة . وإن لم يكن
--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) حاكم ( ط ) ( 4 ) من ( ت ) ( 5 ) من ( ت ) ( 6 ) من ( ت )